السيد محمد الصدر
281
منة المنان في الدفاع عن القرآن
نسبة وجود العذاب إلى نسبة هذه الأجيال الطويلة نسبةً ضئيلةً جدّاً ، وكأنَّها أقلّ من أن تلحظ أو تكون لها أهمّيّةٌ ، فلماذا ركزّ عليها القرآن ؟ قلت : هذا له عدّة أجوبةٍ نذكر منها : أوّلًا : أنَّنا إذا أخذنا بالفهم المشهور القائل بأنَّ هذا العذاب أوجب استئصالهم عن الأرض ، فلم يبق منهم شخص أصلًا ، كان ذلك حادثاً معتدّاً به بالنسبة إليهم ، ويعدل كلّ أجيالهم ؛ لأنَّ أجيالهم إنَّما تبقى محفوظةً إذا لم يستأصلهم الله سبحانه وتعالى . أمّا إذا أبادهم واستأصلهم فقد انتهت عادٌ وثمود وفرعون ، وهذا الحادث وإن حصل في جيلٍ واحدٍ ، إلّا أنَّه حادثٌ مهمٌّ جدّاً يستحقّ الذكر والتركيز . ثانياً : أنَّ ذلك العذاب حصل لمجرّد العبرة . نعم ، حصل في جيلٍ واحدٍ أو عدّة أجيالٍ ، لكن العبّرة موجودةٌ ، وإن قلّت النسبة بين الأجيال وبين العذاب ، وهي أنَّ قوّة البشر وجبروتهم وسلطانهم لا يمنع من نزول العذاب ؛ لأنَّ قدرة الله تعالى أضعاف قدرتهم بما لا يتناهى . ثالثاً : قلنا في بعض المناسبات : إنَّ القبيلة يمكن لحاظها لحاظاً واحداً ، ولذا مثّلنا سابقاً ببني إسرائيل في قوله تعالى : وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى « 1 » ؛ فإنَّ المنّ والسلوى لم تنزل على بني إسرائيل الموجودين في زمن رسول الله ( ص ) ، وإنَّما نزل على أجدادهم قبل آلاف السنين ، ولكن لوحظ بنو إسرائيل كمجموعةٍ واحدةٍ ، وقد أُنزل عليهم ولو في الجملة ، وهذا يكفي أن يصدق عليهم أنَّه نزل على بني إسرائيل ؛ لأنَّهم لوحظوا كمجموعةٍ واحدةٍ ودائرةٍ واحدةٍ ، كما أنَّ عاداً وثمود وفرعون لوحظوا كمجموعةٍ واحدةٍ نزل
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 57 .